دمشق

الهروب من جحيم الأسد

الفصل الأول: الاعتقال

كنت أسير في ساحة المرجة ذلك اليوم، حين انفجر الغضب في صدورنا. كانت الشرطة تتعامل مع الناس بكل قسوة، تضرب بلا رحمة، تسب وتذلّ كرامة البشر. لم أستطع الصمت، فصرخت مع المئات: “حرية! حرية!”

لم تمضِ دقائق حتى أحاط بنا رجال الأمن من كل اتجاه. قبضوا عليّ، وكنت أحد “المحظوظين” الذين لم يُطلق الرصاص عليهم. لكنني لم أكن أعلم أن السجن سيكون موتي البطيء.

الفصل الثاني: الزنزانة الأولى

أول ما شعرت به هو الظلام. ظلام دامس، بارد، خانق. ألقت بي الشرطة في زنزانة لا تتسع لإنسان. جدرانها رطبة، أرضيتها من الأسمنت البارد، ورائحة العفن تملأ أنفاسي.

سألت: “لماذا أنا هنا؟ متى سأحاكم؟”
ضحك الضابط وقال: “المحاكمة؟ أنت هنا إلى أن تموت أو ننساك!”

الفصل الثالث: أربع سنوات في الجحيم

مرت الأيام كالسنين. تعرّفت على وجوه جديدة كل يوم، بعضهم يختفي فجأة، إما ميتًا تحت التعذيب، أو نُقل إلى مكان مجهول. لاحظت شيئًا غريبًا: الجميع هنا من السنة. لا علويون، لا مسيحيون، لا دروز. كأن السجن مرآة للطائفية المقيتة التي زرعها النظام.

التقيت بـ ياسين، شاب من درعا، اعتُقل لأنه كتب منشورًا على فيسبوك ينتقد النظام. كان جسده مغطى بالندوب من الكهرباء. قال لي: “هنا لا يوجد بشر، فقط وحوش بزيّ بشري.”

وكان محمود، الطالب الجامعي الذي خطفه المخبرون لأنه شارك في مظاهرة سلمية. مات بعد أسبوع من وصوله، تحت التعذيب.

الفصل الرابع: الهروب

بعد أربع سنوات، جاءت الفرصة. كانت الفوضى تعمّ السجن بعد قصف مدفعي من قوات المعارضة على السجن. انهار جزء من الجدار، ورأيت الضوء لأول مرة منذ سنوات.

هربت مع ثلاثة آخرين، تسللنا بين الأنقاض، تركنا خلفنا أصوات الرصاص والصراخ. ركضنا بلا اتجاه، فقط بعيدًا عن الجحيم.

وصلنا إلى منطقة محررة، حيث انتظرنا المجهول. لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا: حتى لو متُّ حرًّا، فهو أفضل ألف مرة من أن أموت في سجن الأسد.

الخاتمة

اليوم، كلما تذكرت السجن، أتذكر الوجوه التي لم تنجو. أتذكر ياسين، محمود، وآخرين لا يعرف أحد أين ذهبوا. النظام لم يسجننا لأننا مجرمون، بل لأننا تجرأنا على حلم اسمه “الحرية”.

وهربت، ليس لأنني شجاع، بل لأنني اخترت أن أموت حرًّا بدل أن أعيش عبدًا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى